في سنة 2006، ظهر الفنان يونس شلبي، كضيف في حلقة البرنامج المصري الشهير، «البيت بيتك»، يسألهُ المذيع «عامل إيه يا يونس؟»، فيرُد وعلى وجهه أعراض الإعياء الشديد «الحمد لله رُضا»، لم يعُد «عاطف» الابن الصغير الذي رأيناه في المسرحية، بل رجُل عجوز ومهموم يؤكد نظرية «العيال كِبرت»، ولم تعُد سعاد حسني تهاتفه أو حتى تداعب خيالاته، فكان تليفونه مرفوعًا دائمًا من الخدمة، ولا يسأل عنه سوى بعض أعضاء جماعة «مدرسة المشاغبين».

«جاموسة راحت تقابل جاموسة»، بملامح طفلٍ بشوش، وجلباب أبيض قصير يكشف عن ساقيه القصيرتين أيضًا، يقولها «عاطف» الابن الأصغر، في المسرحية الكوميدية الشهيرة، «العيال كِبرت»، المُسجّلة بتاريخ 1979، فتتّفجر ضحكات الجمهور، ورغم أنه شخص مُتلعثِم، كان يُلقي الإفيهات بخفّة شديدة، فعاشت لسنوات طويلة، سحرتهُ سعاد حسني لدرجة أنه قال إنها تُحدثه في التليفون كُل ليلة، بينما كانت مُجرد صورة في لوحة خشبية علّقها على جُدران منزله.

 

ولدَ يونس شلبي سنة 1941، في محافظة الدقهلية، وتحديدًا داخل مدينة «المنصورة»، لأسرة بعيدة تمامًا عن الفن وناسه، ولكن «شلبي» أحبّ التمثيل من المدرسة الابتدائية، وكان يُشارك في فريق التمثيل والمسرح، بالصف الثاني الإعدادي، لذا قرر أن يسلك طريق الفن، ضاربًا رغبات والديه بأن يصبح ابنهما موظفًا «قد الدنيا» بعرض الحائط.

 

وعقب إنهاء المرحلة الثانوية، شدّ «شلبي» الرحال إلى القاهرة، كان صغيرًا وسط العاصمة الكبيرة، لكن موهبته الفطرية كانت تدفعهُ دائمًا إلى الأمام، إلى أن التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ووقتها اختاره المخرج المسرحى، نبيل الألفى، عميد المعهد، ليشارك فى أعماله التى يخرجها، وكانت تلك الخطوة هي أولى الخطوات الثابتة في طريق النجم صغير الحجم، كبير الموهبة.

 

في عام 1969، حصل «شلبي» على بكالوريوس الفنون المسرحية، قسم تمثيل، وشارك فى أول عمل مسرحى بعنوان «الغول»، وعقب تخرجه في معهد الفنون المسرحية، انضم إلى فرقة الفنانين المتحدين مع نجمي الكوميديا عادل إمام وسعيد صالح، ثم شارك بدور «منصور» في مسرحية «مدرسة المشاغبين» عام 1971، فأصبح من جماعة المشاغبين، أو كما قال عنهُم «المُجددين في مدرسة الكوميديا».

ظلّ «شلبي» نجمًا من نجوم مدرسة المشاغبين، والذي كان يُعرفهم هو بـ«المشاغبين»، ومثلما كانوا في المسرحية، كانوا مشاغبين أيضًا على أرض الواقع، ففي حفل زفاف يونس شلبي، طلب من الفنان الراحل، سعيد صالح، ومن كل أصدقائه عدم الحضور لأنه غير مستعد لاستقبال عدد كبير من المدعوين، ولكن لم يمُر الطلب مرور الكرم على صالح، حيثُ قرر الذهاب إلى زفاف صديقه دون أن يكلفه شيئًا، وكانت المفاجأة أن 400 شخص من الفرق المسرحية والممثلين قرروا أن يذهبوا مع سعيد، كما روت إسعاد يونس، في برنامجها «صاحبة السعادة».</div>

واستكملت روايتها قائلة إن يونس كان في الكوشة وعندما رآهم شعر بصدمة كبيرة وسألهم عن سبب مجيئهم وأكد لهم أنه لا يوجد طعام لهم.

استمرارًا لوصلة النجومية الكوميدية التى حققها في «مدرسة المشاغبين»، شارك «شلبي» في مسرحية «العيال كبرت»، وقال الإفيه الأشهر «جاموسة راحت تقابل جاموسة، ملقتهاش جاموسة، لقيتها بقرة يا عيني»، وكان كُلما يقوله ينفجر الجمهور في وصلات ضحك لا تنتهي، شارك بعدها أيضًا في عدة مسرحيات، أبرزها «حاول تفهم يا ذكي»، و«أولادنا فى لندن»، و«الحى الغربى»، و«سداح مداح».

وكأنّ القدر كان يُريد حفر أبرز أعمال يونس شلبي في ذاكرة المشاهدين، حيث لم توثّق أغلب العروض المسرحية التى شارك بها، باستثناء «العيال كبرت» و«مدرسة المشاغبين»، المسرحيتين اللتين أصبحتا «ذاكرة جمعية كوميدية»، وحينما كان يُسأل «بتضحك على إيه من أعمالك؟»، يجاوب بتلقائية شديدة «بضحك على مدرسة المشاغبين والعيال كبرت».
شارك «شلبي» ببصمات في عالم السينما أيضًا، ولكنها لا تُقارن بما فعله على خشبة المسرح، فكانت تجربته الأشهر، والبطولة الوحيدة في فيلم «الفرن»، يناير 1984، برفقة معالي زايد، والفنان عادل أدهم.

ومن أشهر الأفلام التى شارك بها «العسكري شبراوي»، «ريا وسكينة»، «مغاوري في الكلية»، «سفاح كرموز»، «عليش دخل الجيش»، «رجُل في سجن النساء»، «احنا بتوع الأتوبيس»، وأخيرًا فيلم «أمير الظلام» عام 2002، وكانت تلك آخر مشاركاته السينمائية، كما شارك في أكثر من 20 مسلسلًا تلفزيونيًا منها «عيون»، «الستات ما يعملوش كده» و«أنا اللي أستاهل».

«بوجي وطمطم»، من أشهر الأعمال التى شارك بها الفنان، يونس شلبي، فساعده صوته الطفولي وروحه المرحة، التى تشبه روح الأطفال في تقديم دور «بوجي»، الذي علق في آذان أطفال جيلي الثمانينيات والتسعينيات، وصوَّر يونس شلبي منه 18 جزءًا بالاشتراك مع الفنانة هالة فاخر.

في عام 2001، بدأ الإعياء يظهر على الفنان الراحل، يونس شلبي، أتعبهُ قلبه الذي لم يستطع تحمُل المعاناة في الزمن الحالي، تعرض لأزمة قلبية ومكث طويلاً في أحد المستشفيات بالمملكة العربية السعودية، كما أجرى عمليتين في القلب، فلم يستطع الصمود كثيرًا، رغم كفاح «شلبي» الدائم، فعندما حلّ ضيفًا على برنامج «البيت بيتك»، سنة 2006، قال: «الحمد لله أنا في طريقي للشفاء التام».
ورغم أنهُ بدا متماسكًا في أول أحداث اللقاء التلفزيوني السابق، لم يستطع الاستمرار كثيرًا، وانفجر في البكاء حينما سألهُ المذيع عن أولاده، فانفجر في البكاء كطفلٍ صغير، وبعد لحظات تماسك مرةً أخرى، ليستقبل سؤالاً آخر عن حقيقة بيع ممتلكاته الشخصية، للإنفاق على تكاليف العلاج الباهظة، ونفى «شلبي» ذلك بإفيه لطيف أعاد البسمة إلى وجهه مرةً أخرى: «لأ مبعتش حاجة، ده أنا حتى كان عندي عربية نُص نكلة، محدش راضي يشتريها».

في نوفمبر 2007، رحل يونس شلبي، باكيًا، كآخر مشهد ظهر فيه، مريضًا يُعاني من التجاهل، وليس ضاحكًا كـ «عاطف السكري» أو حتى «منصور»، ابن الناظر، رحلَ في هدوء، ولم يأخذ حقه من الدنيا بيمينه كمّا فعل «عوض» في فيلم «الفرن».

المصدر المصري اليوم

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *